ساسي سالم الحاج
65
نقد الخطاب الاستشراقي
تردد في ذكرها خاصة أن الشعراء العرب الذين زاروا الحيرة وحضروا مثل تلك الاحتفالات الدينية في الكنائس المسيحية قد وصفوها بصورة حية ومعبرة « 1 » . ويرى « رودنسون » أن الروايات الإسلامية أجمعت على محبة أبي طالب لابن أخيه حبّا جمّا ، وأنه اهتم بحمايته ورعايته ولكنه يشك في هذه الروايات كعادته ويتساءل : ألم تكن هذه القصص من قبيل تحريف سير القديسين ؟ ! . ومع ذلك فإن رودنسون يصدق تلك الروايات التي تتحدث عن قيام الرسول ببعض الأعمال التي يقوم بها نظراؤه من الأطفال كرعي الغنم . وقد سئل الرسول مؤخرا عن ذلك فأجاب : « ما من نبي إلّا وقد رعى الغنم » . وبالرغم من تصديق رودنسون لهذه الرواية فإنه يحلل هذه الواقعة بأن القصد من روايتها إنزال كبرياء البدو الرحل رعاة الإبل الذين يحتقرون بطبعهم رعاة الماشية « 2 » . وأخيرا يصف رودنسون الصعوبة التي يواجهها الباحث الذي يبغي معرفة سيرة الرسول إبّان طفولته وشبابه المبكر . ويشك في هذه الروايات التي يصفها بالتناقض وعدم الانتظام والمشوبة بالأساطير والخرافات ، ويتساءل : كيف أن باحث هذه الأمور لا يستطيع القطع بشأنها ؟ وكم كان يقف على أرض هشة ؟ . ولكنه يعبّر عن رغبته الجارفة في معرفة تكوين الرسول في هذه الفترة من حياته لأهميته التاريخية . فالمصادر الإسلامية تدّعي أنه لم تكن للرسول أية علاقة بعبادة قومه في مسقط رأسه . ويرفض رودنسون هذا الحكم ويؤكد وجود دلائل واضحة تبيّن أن الرسول - شأنه شأن أي إنسان آخر - قد طبق دين أجداده إبان حياته الأولى . بل قيل : إنه ضحّى بكبش على « العزّى » . وهناك رواية نادرة صورته بأنه قد أهدى لحما كان قد تقرّب به لبعض الأصنام لأحد الموحدين الذي رفضه وأنّبه على ذلك . وقيل عنه : إنه كان منتميا إلى طائفة « الحمس » والتي تطبق شعائر ومناسك خاصة إبّان موسم الحج . كما أنه يبدو عليه أنه يعرف القراءة والكتابة بالرغم من كل الروايات العربية التي فسّرت كلمة « الأمية » في القرآن بأنه يجهل ذلك ، إلّا أننا نجهل عمق ثقافته باستثناء أدلة نادرة غير مؤكدة وغامضة قدمتها لنا سيرة حياته وتعاليمه « 3 » .
--> ( 1 ) RODINSON , Mahomet , op . cit , p . 71 . ( 2 ) Ibid , op . cit , p . 72 . ( 3 ) Ibid , op . cit , p . 72 .